روافد: مع مروان عبادو

اسم البرنامج: روافد
مقدم البرنامج: أحمد علي الزين
تاريخ الحلقة: الجمعة 26-5-2006 

ضيف الحلقة: مروان عبادو (فنان)

أحمد علي الزين: عشرون سنة مرت على إقامتي هنا في هذه المدينة وأكون أمضيت هنا ما أمضيته في بيروت منذ ولادتي، هذا الاغتراب يدغدغ الحنين إلى الماضي القريب، الوقت انقضى وما زلت أشعر بنفسي أهبط في مطار فيينا وكأن الشيب الذي اجتاح جزءاً مهماً من شعر رأسي لا يبرد هذا الشعور، هنا وهناك اليوم والبارحة مكانان جميلان في مخيلتي، اليوم لم يخفف من انتمائي إلى البارحة، والحروب التي سكنت ساحات الماضي طبعتني بملامح محددة لم أشعر يوماً بحاجة إلى التخلي عنها.
 مروان عبادو عرفته يوم كان في 10 من عمره، كان ذلك الطفل الذي يقف في باب مسرح معهد الفنون الجميلة في بيروت يتلصص على تماريننا التمثيلية أو على طلاب الفن التشكيلي وهم أمام لوحاتهم مندهشاً أمام هذا العالم، راغباً في كشف سر هؤلاء طلاباً وأساتذة، مسرحاً ولوحة، بعد حوالي 30 سنة التقيته هنا في هذه المدينة فيينا تاركاً على شاطئ بحر بيروت مروان عبادو الصغير وفي المدى صورة عن فلسطين في وجدانه.
 مروان عبادو مواليد 67 شو سر هالشيبة المبكرة، معقول تكون صدمة الهزيمة الأولى في 67 صدمة مبكرة يعني مع الولادة؟
مروان عبادو: لا هو جزء من وراثة، وراثة عن جدي من أمي يعني كان عنده خصلة شعر شيب بالنصف، وأنا بلشت عندي بالنصف كمان من عمر 14سنة، وهالشيبة امتد.
أحمد علي الزين: وملأ الرأس..
مروان عبادو: وملأ الرأس بس ما وصل للقلب..

بدايات مروان عبادو

أحمد علي الزين: طيب خلينا نبلش من البداية، طبعاً أنت فلسطيني المصدر المولود في بيروت في إحدى مخيمات بيروت في الضفة ضبية، طبعاً مثل ما قلنا في سنة 67، يعني شو تخبرنا عن البيئة عن البدايات خاصة وأن الأهل والوالد تحديداً سكن بمكان مختلف في بيروت، وهو كان يعمل بمعهد الفنون الجميلة ملتقى المبدعين والرسامين والمسرحيين، إلى أي مدى أثرت فيك يعني هالبيئة اللي عشت فيها ونشأت فيها؟
مروان عبادو: يعني بيئتي كان مليئة بالتناقضات الاجتماعية والسياسية، يعني إحنا كنا عايشين في مخيمات ضبي، هُجرنا من هذا المخيم في 75 يعني من بداية الحرب الأهلية اللبنانية، ومن 78 جاء معهد الفنون الجميلة إلى المبنى اللي كنا نحنا ساكنين فيه، طبعاً هذا جزء كان بالنسبة لي أعطاني روح يعني تغذيت منها روح الفن، الموسيقى والرسم.
أحمد علي الزين: طيب مروان طبعاً أنت اخترت أو ربما شاءت الظروف إنه تكون موسيقي ومغني، يعني كيف تم اختيارك؟ ربما الواحد بالبداية بيحب يتماثل بأحد الناس هو وصغير أو كمان يتأثر بمناخ معين، يعني أنت كيف بمين تأثرت إذا بدنا نقول؟
مروان عبادو: تأثري في البدايات كان برواد الأغنية الملتزمة في لبنان، يعني الأستاذ مارسيل خليفة، الأستاذ أحمد خابور هذا الجيل.
أحمد علي الزين: زياد الرحباني..
مروان عبادو: زياد الرحباني خالد الهبر، وطبعاً الشيخ إمام كمان كان حاضر كثير في هديك المرحلة في لبنان، وهذا التأثر أتصور شعرت أنه في للأغنية وللموسيقى رسالة معينة في المجتمع، وهذا كان المنبع الأول وأتصور أثرّ فيّ أنه الابتعاد عن موضوعات إنه فهم الموسيقى بس كجزء تطريبي في المجتمع، يعني فيه كمان بناء فلسفي للمجتمع تعبر عنه الموسيقى ومش ضروري يكون في مجال الطرب الشرقي اللي نحنا نعرفه يعني اللي متعودين عليه.
أحمد علي الزين: يعني فينا نقول إنه خيارك ناتج عن إحساسك المبكر أنت يعني طبعاً المناخ الفلسطيني والنضالي مؤثر فيك، يعني هذا الخيار ناتج عن إحساسك بالقيام بدور ما لاحق كنت يعني عم تخطط له، دور نضالي، دور يهدف هيك زي ما أنت ذكرت أنك تغير بشيء تساهم بشيء على الأقل..؟
مروان عبادو: يمكن إجيت أو سني يعني تأثرت بمرحلة إنه أنا لما وعيت جداً في الموسيقى كانت هذه الفترة فترة الأغنية الملتزمة كمان بطلت جزء عضوي بحياتنا الثقافية، أو بطلّت موجودة بهذا الشكل اللي كانت موجودة فيه، وأتصور هي كان مناسبة لي أو فرصة لي أن أشوف الموسيقى كموسيقى، ويتكون عندي طموح لأغنية بعيدة عن المباشرة، عن النص الخطابي، وعن النص الفلكوري البحت، وبنفس الوقت الاهتمام بموضوعات الموسيقى الآلتية، يعني الموسيقى اللي ما معتمدة على نص.. على الغناء وعلى نص شعري يكون هو عمود العمل الموسيقي.
أحمد علي الزين: طيب مروان أنت يعني غادرت بيروت مبكراً يعني في سنة 85 تركت بيروت ما بعرف شو الأسباب، يمكن أهلك مثل ما تحكي حاولوا ينزعوك من البلد لأنه كان عندك شغب سياسي، كنت عم تتمرد بطريقة يمكن شوي.. وأتيت فيينا هاي المدينة اللي نحنا عم نعمل الحوار فيها سنة 85، يعني السؤال اللي يتبادر للذهن إنه ليش فيينا؟ يعني شو هاي الصدفة اللي خلتك تجي لفيينا؟
مروان عبادو: الصدفة إنه كان أخوي الكبير يشتغل في فيينا، وكانت الفرصة الوحيدة للخروج من بيروت هي فيينا يعني إمكانية الحصول على تأشيرة بتلك الفترة كانت فقط باتجاه النمسا، وطبعاً هاي فيها جزء من مسلكية التجمعات الفلسطينية، إنه دايماً نحنا نكون قريبين على بعض، لازم نكون قريبين على بعض والخيرات في هديك الفترة كانت ضئيلة، وأهلي أخذوا القرار أنه خلص أنت لازم تترك البلد الوضع كان شوي.. حروب وضيق طبعاً ما كانوا شايفين فيه أمل بالمحيط اللي كنا عايشين فيه، بمفهوم إنه الواحد يتقدم فأخذوا هذا القرار وأنا جيت النمسا عند أخوي الكبير.
أحمد علي الزين: وبتقديرك أنه هذا الخيار أو خروجك من بيروت أفادك أم أضر فيك؟
مروان عبادو: طبعاً البداية حسيت بنوع من الضرر إنه أنا يعني انشلعت من التربة اللي أنا طلعت منها، لكن اليوم وبعد هالشيب أفهم قرار أهلي، أفهم هذا الحرص على حياة ابنه للواحد، أعتبر أنه أنا اليوم بمنفى جميل جداً بالنسبة لي، وخلاني أوصل لمطارح يمكن لو بقيت في بيروت ما كنت وصلتها.
أحمد علي الزين: يعني هذا السؤال بدي أسأله فيينا هي عاصمة الموسيقى الكلاسيكية إذا صح التعبير، بلاد مزار شو أعطيتك هذه المدينة شو علمتك؟ كيف استفدت منها موسيقياً على الأقل عم نحكي عن الموسيقى؟
مروان عبادو: موسيقياً من خلال الدراسة أول شيء أنا أعتبر إنه أنا اكتشفت الموسيقى العربية من.. بس جيت يعني بالعكس.. ثاني شيء طبعاً أعطتني وعي عبر الدراسة عبر دراسة العلوم الموسيقية يعني أعمق للموسيقى، وأهم شيء أتصور أنا اكتسبته بهذا البلد هو تجربتي مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، يعني النمسا فيينا بالتحديد يعيش فيها حوالي 6000 موسيقي، ومن مختلف ثقافات وحضارات العالم هاي تجربة ما ممكن تحصل في بلد آخر أو بالتحديد في الشرق.

تأثير تجربة الشتات على الفن

أحمد علي الزين: مروان أنت شأنك شأن الكثير من الأجيال الفلسطينية اللي عاشت تجربة الشتات في بلدان مختلفة والترحال والتنقل من مكان لآخر، يعني كيف تحسّ أنت تجاه هويتك، تجاه انتمائك، يعني هل تسأل حالك مين أنا أحياناً؟
مروان عبادو: والله الأسئلة هي تجي أكثر من برة، يعني من خارج من المحيط اللي يتواجد فيه الإنسان، أتصور اليوم أي هوية فيها تركيبات وفيها تكوينات وتعقيدات مختلفة، يعني بالنسبة لي أنا فلسطيني وولدت في لبنان، لغتي الأم بمفهوم ثقافي واجتماعي هو محيط لبناني كمان بنفس الوقت، تكويني الثقافي هو تكوين لبناني، وبنفس الوقت أنا صار لي عايش 20 - 21 سنة في فيينا وهذا وطن آخر، وأصبحت مواطن لهذا البلد، ويمر الواحد كمان بصور فيها جزء من السريالية، يعني مرة مثلت النمسا في مهرجان آلات الوترية في المغرب.
أحمد علي الزين: كمواطن نمساوي؟
مروان عبادو: كمواطن نمساوي وكعازف نمساوي، وكنت عازف العود الوحيد الموجود في المهرجان، فكمان هاي الصور يمكن الواحد يشوفها غير منسجمة، لكن غير منسجمة مفهوم إنه كيف..
أحمد علي الزين: مواطن نمساوي عم يعزف عود في مهرجان آلات وترية في المغرب، طبعاً أول استفسار كان لإدارة المهرجان إنه فيش عازفين عود عرب موجودين في المهرجان، بس كان يعني تخطيط آخر يعني في المهرجان.
[فاصل إعلاني]
أحمد علي الزين: يقول الشاعر أمجد ناصر عن موسيقى مروان عبادو أن تسمع موسيقى مروان عبادو غير أن تراه يعزف، ليس هو ممثلاً ولا مؤدياً استعراضياً ليختلف تلقي موسيقاه بمشاهدته عن سماع اسطوانته، ولكن ضربات ريشته على آلة العود وملامح وجهه وجلسته المتحفزة على الكرسي الصغير، استبطانه إن لم أقل تمثله لمهاوي ومعارج موسيقاه يضيف إن جاز التعبير حضوراً درامياً لعمله.
 أظن أن هذا الحضور الدرامي الذي يتحدث عنه أمجد ناصر نابع من تكوينات مروان عبادو ومن مصدره الفلسطيني أولاً، ثم من تداعيات هذا المصدر التي منها الهجرة والشتات ومزالق الحنين، ثم كما ذكرنا لنشأته تأثير أكيد في هذا الحضور الدرامي، فهو نشأ في مناخ معهد الفنون الجميلة بحكم عمل والده وأقامته في مبنى المعهد، ولعل عناية جابر حين تقول عن صوت مروان عبادو تؤكد هذا البعد، ففلسطين حضرت تماماً في صوته وفي نصه وفي نبراته المتوارية خلف هدوئها، تخفي شوقاًَ ومكابدة.
 مروان عبادو ليس مجرد مؤدٍ لقصائد ونصوص، إنه صوت مؤثر وقادر على إغناء الكلمات بذلك الترجيع الحاضن الذي يتيح للقصيدة ويعطيها أبعاداً إضافية تمنحها اكتمالها ودلالاتها، بل هو أيضاً صوت ذكي خاصة في فهمه لطبيعته وعدم تحميل تلك الطبيعة أثقالاً نغمية خارجة عنها ولا تليق بها وتخرجها عن طورها.
مروان الموسيقى والأغاني اللي تشتغلها يحسّ الواحد يعني هيك تعكس مناخات من الحنين وهيك مسحات من الحزن، بتقديرك هذا الحنين هو لوين أو لمين؟
مروان عبادو: هو بالنهاية يعبر عني، عن ترك مواقع كثيرة مش بإرادة ذاتية، لكن ما بعرف ما ممكن أقول لك أنا أحنّ لمين، أتذكر شغلات بس لا يعني أن الحنين لهذه الذاكرة لأنه الذاكرة كمان خائنة، بس أنا بالنسبة لي الحنين هو كمان حب، وهاي طاقة كمان بتصور الحب طاقة بشرية عجيبة.

مروان عبادو هو من أكثر الناقدين لموسيقاه

زوجة مروان عبادو: أول شيء لفت نظري بمروان كانت الموسيقى كانت بالتحديد أغنية مطر، ببساطة التعبير اللي موجودة بالأغنية وطريقة تعبيرها عن قضية الشعب بدون ما تكون مسيسة كان أول شيء لفت نظري بموسيقة مروان، بس في خلال تعرفي على مروان كان فيه شيئين أساسين محددين لهالشخصية، الأولى كانت صدقه مروان زي الصفحة البيضاء حتى إذا عنده مشكلة مع شخص يحكيها في وجهه، والنقطة الثانية كانت إنه هو واحد من أكثر الناقدين لموسيقاه، هي كانت صدفة إنه فتاة فلسطينية من فلسطين المحتلة من مناطق 67 تجي في زيارة لفيينا وتلتقي بفنان فلسطيني في المهجر بالرغم من كونه ما عاش بفلسطين، لكن طريقته في التعبير عن طموح الشعب عن آمال هالشعب يجوز أكثر صدقاً من كثير من السياسيين أو اللي يدّعوا الخطابة في القضية الفلسطينية.
أحمد علي الزين: رحت بزيارة لفلسطين يعني كان لك الحظ إنك تفوت على فلسطين بعد ما صرت مواطن نمساوي، كيف شفت البلاد اللي أنت مثلاً كانت بذاكرتك من خلال حكايات الأهل، من خلال الوالد والأم والمشاهد اللي تشوفها على التلفزيون أو في الصحف؟
مروان عبادو: طبعاً فلسطين يمكن مرتبطة بكل فلسطيني مش موجود على الأرض الفلسطينية بمثل حلم، وهذا الحلم بحكيك عن احتلال، بحكيك عن شعب مقاوم، بحكيك.. يعني هذا لحلم واسع كبير ضخم، ويمكن هذا الحلم كمان يشكل لك صورة معينة في المقاومة، ويشكل لك صورة معينة مش مرتبطة بالواقع 100% وهي كانت الصدمة..
أحمد علي الزين: صدمت يعني؟
مروان عبادو: طبعاً صدمت، وأتصور بقاء الوطن فكرة أهون بكثير من أن نعيشه كوطن لأنه بعدنا بعيدين عن موضوع المواطنة..
أحمد علي الزين: شو رأيك بما يحدث مثلاً في فلسطين من عمليات استشهادية؟
مروان عبادو: يعني أنا كتبت قصيدة تقول أو كلمات بسيطة:
كل يوم في صور  
كل يوم في خبر عن بلد اسمها فلسطين
كل يوم في صراع  
وكل يوم في وداع في بلد اسمها فلسطين
حابب يجينا يوم خالي البطولة
لا شهيد ولا جريح
يوم كله ملل ويوم كله ضجر
وهاليوم الطبيعي  
 من الطبيعي يكون عيد في بلد اسمها فلسطين

 

أمجد ناصر في جريدة القدس اللندنية

عناية جابر جريدة الفير

مي منسى جريدة النهار


 

أمجد ناصر في جريدة القدس اللندنية

Amjad Nasser (Al-Quds Alarbi/London)



Inaya Jaber / Assafir Newspaper جريدة السفير

 

 "النهار"

 الاحد 2 آذار 2003

مروان عبادو يجول في العالم وعلى عوده "مسك وعنبر":

منحتني الموسيقى البعد الانساني والقدرة على مخاطبة الثقافات

حمل البحر تحت ابطه ككتاب سيرة كبطاقة هوية، وواصل السفر منه اليه في غربة تستحيل على اوتار العود، على اوتار صوته، وطنا وعنوانا".

هذا البحر يقرأ مروان عبادو في امواجه قدر الصيادين والهجرة والمنافي. على مرفأه، وبقدر ما تهتاج الذاكرة بين نو ورمال، تولد الاغنية من ألياف الاشتياق، من مرارة الاغتراب، في وجه الام الذي حفظه من النسيان، يطربها بالايقاع بين نشوة العود وحداء الدف، يحجب الدمعة، متكابرا على الذاكرة وخيوطها المنسولة، يعيد في تقاسيمه حياكتها خيطا خيطا، وفي صوته يصون اللكنة وحكاية التهجير، في شهادات الترومبيت المستشرقة والايقاعات المختلفة الاصوات، في ذاك الهدوء الذي يجعل منه حكواتيا يروي في حنان النغم وحنين الكلمات ويفعم عوده بالزلاغيط حين تكاد الاغنية تخون مشاعره وتسلخها من وقائها الرصين.

في عودته الاخيرة الى بيروت قبل اسابيع عنوان جديده "مسك وعنبر" من قديمه، من "مراكبه" وقصيدة "يغني الارغن وحده" للشاعر شوقي ابي شقرا التي اعاد كتابتها بالغناء والعود وترومبيت مجهزة بمفتاح رابع تساير مناخ القصيدة كناي القصب، كالمجوّز، هادرة، تلتقي حفيف الدف لتلتف معه حول القائل:

"لن ينهض المساكين والضعفاء/ ان يركب احدنا مقصورة الكلام ويأتيه الغبار من النافذة / ويغني الارغن وحده واغلقنا المأوى على الانغام / وقسمنا الجبنة بين أفواه الناس والمنفى هو التزلج والارتطام/ وان تتفق الوردة/ والاشواك والانسان".

الارض، السفر، الغربة، كلمات تخرج من الاغنية لتغدو حديثا بيننا. "اجول اليوم مع "مسك وعنبر"، برنامجي الجديد المؤلف من ثلاثة عازفين، فرانز هاوتزنغر على الترومبيت وصديقي بيتر روزمانيت عازف الايقاع وانا على العود. دخول الترومبيت جديد على برنامجي. ففرانز دخل اسطوانة مراكب عازف بوق لأغانٍ من قصائد الشاعر طلال حيدر. اردنا تحديا اكبر في آلة ترومبيت مزودة مفتاحا رابعا لربع الصوت كي تتطور العلاقة بين عود شرقي وآلة من الغرب، ولتتساوى مع تنغيم العود وترخيم النغم. كان لدى فرانز شوق لمعرفة الموسيقى الشرقية، مما شكل لنا حافزا لعلاقة لم تكن موجودة سابقا بين ترومبيت وعود".

* هل هي الصداقة بين فنانين ادت الى هذا الاختبار؟

- كلا! بل هي قصيدة طلال حيدر "هوا الشمالي" التي اوحت هذا الخيار الواعي ان نستضيف فرانز في هذا العمل.

* كيف تفرض آلة نفسها على مشروع اغنية؟

- خبرة العازف تتدخل في توزيع الموسيقى. فرانز صاحب موهبة فائقة في النفخ على آلته في اسلوب حساس وملجوم بحيث لا يؤثر أداؤه على الالات الاخرى. لديه القدرة على حبس النفس وان يهب وصلته من احساسه ودقته في رسم معالم النغم. المعادلة صعبة حين تكون الموسيقى سريعة وخفيفة في الوقت ذاته، وخاصة للترومبيت. في "مسك وعنبر" ثمة قاسم مشترك بين آلة واخرى في خدمة الاغنية، وضمن محاولاتنا لبناء هوية فنية بعيدة عن ابراز العضلات.

* وعلام تقوم الهوية الفنية؟

- على عمل مشترك يجمع بين حميمية معينة وعلاقة بين الفنانين ووعي المستمع، ولا سيما في تقديمنا اختبارا جديدا له عبر الالتئام بين الترومبيت والعود. كما هنالك البحث الموسيقي المستمر من دون اسقاط الحدود بين شرق وغرب.

* لكن في رسالتك الفنية هذه ما الذي يتفوق في موسيقاك؟ النمط الشرقي ام الغربي؟

- ليس ثمة تفوق ما. ما نسعى اليه هو تشكيل هوية فنية برؤية كوسموبوليتية.

* وهل تتفاهم اللغات في ما بينها؟

- بكل تأكيد لأن ثمة تأليفا من كلا الجانبين. علما ان لهذه الموسيقى حضنا مقاميا شرقيا وايقاعا شرقيا. فحتى عندما الّف فرانز مقطوعته كانت انفاسها من هذا الجو.  

قديم وجديد

* في برنامجك "مسك وعنبر"  ادوار من قديمك. لِمَ هذا التواصل؟

- بغض النظر عن هذا البحث الفني الذي تحدثنا عنه، في ترداد اعمال قديمة تواصل مع الجذور ومع الناس، مبني على احاسيس من المشاركة، في اعمالي خيط رابط بينها وشخصية معينة تشكل هذه الروابط.

* بين اغانيك نصوص لك، وان كنت تأخذ من الشعراء امثال شوقي ابي شقرا وطلال حيدر وتوفيق زيّاد قصائد وتلحنها. ما الذي يومض في ذهنك اولا الكلمة او اللحن؟

- انا موسيقي ولست شاعرا، رغم كتابتي بعض الاغاني. وفي تلك اللحظات بالذات اشعر كأني اكتب مع الكلمة نوطتها.

* اين تلقيت علومك الموسيقية؟

- في لبنان اولا، وفي شكل عفوي على الغيتار. اما المرحلة التأسيسية فبدأت في وقت متأخر حين تركت بيروت عام 1985 ودرست الغيتار في كونسرفاتوار فيينا، حيث لا ازال منذ ذلك الحين.

* وماذا بقي من الغيتار في موسيقاك؟

- المرة الاولى التي امسكت بها الغيتار في حفل موسيقي، كانت ايضا الاخيرة، اذ لم تستجب ذراعي اليسرى، كأنها اصيبت فجأة بالشلل. شعرت بأن هذه الالة ليست لي وانا غريب عنها. ومن حسنات الصدف اني تعرفت الى استاذ لآلة العود فدخلت معه المدرسة البغدادية وتأسست بهذه الآلة التي لم تفارقني مذذاك. معها بدأ وعيي بالموسيقى العربية والمقام، فضلا عن علومي في المدرسة النمسوية في الموسيقى.

* الوطن، الذاكرة، الهوية، كيف تتفاعل كل هذه في موسيقاك؟

- تربيت في جو عائلة فلسطينية تشردت عام .1948 اذكر، وكنت في الخامسة، عجقة في البيت ومشروع تجميع مبلغ من المال لجرس كنيسة بلدتنا كفربرعم على الحدود اللبنانية. من ذكريات الحرب، وكنا في مخيم ضبيه، اننا كنا هناك من غير المرغوب فيهم لكوننا فلسطينيين، وحين انتقلنا الى المنطقة الغربية من بيروت واجهنا الضغينة ذاتها لاننا مسيحيون. مفهوم الوطن كان مسربلاً في ادراكي كفتى كان في العاشرة حين اندلعت الحرب اللبنانية. حولنا كانت ردود فعل ايجابية من اصدقاء وعلاقات اجتماعية واسعة، ومن ردود فعل سلبية لا ازال احمل صورتها في تنقلاتي في العالم.

مأزق الهوية

* ربما لان الصورة لم تبق على صعيد لبنان المنقسم فقط؟

- لست هنا في صدد تقويم وضع سياسي معين، بل اذكر على نحو شخصي مثلاً ظريفاً يدل على الصورة التي يحملها الفلسطيني حيثما وجد. كنت في الجزائر في رحلة موسيقية. دخلت ذات يوم مطعماً وطلبت زجاجة نبيذ، فما كان من صاحب المطعم وبعدما عرفته بنفسي الا ان قال لي: "حرام! أنت ثوروي مناضل ومقاوم من اجل قضية مقدسة، كيف عساك تشرب الخمر؟". أجبته ضاحكاً: "بل حرام انت. كيف عساك تبيعها في الجزائر؟". قال: "أنا كاثوليكي". هذه الصورة المسبقة عن الانسان الفلسطيني هي نفسها في اوروبا. فلسطيني يعزف موسيقى ويغني. الاستهجان أواجهه أينما كان.

* وفي ظنك ان للفلسطيني صورة معينة اليوم...

- عليه ان يظهر في اطارها كمادة اعلامية او استهلاكية.

* كيف تحمل هذه الهوية؟

- أحملها في شخصيتي المكونة من اكثر من رافد. رافد منطلق من لغة، من واقع ثقافي عشته اثناء الحرب، ورافد العيش في أوروبا. لدي شعور بان التخلي عن صفة المقارنة بين ثقافتين مختلفتين لا بد من ان يؤمن لي سلاماً داخلياً وقدرة على اختيار اشياء جميلة منهما.

* لكن في بعض الحالات هذا المزيج بين الثقافات والهويات يخلق ضياعاً.

- السلام الداخلي أعطاني طاقة للانتاج والتعبير عن نفسي. ومن ثقتي بهذه الهوية أنا قادر على ان اتخاطب مع ثقافات اخرى وأشكال موسيقية مختلفة.

* هي الموسيقى دوماً تمد يدها خشبة خلاص للانسان. هل هذا ما قدمته اليك؟

- منحتني الموسيقى البعد الانساني. ولعل ما اكتسبته منها في الغرب بعدها الجمالي وفهمي لعمل مقتصر على عناصر بسيطة، قليلة، انما بسعي مني في خلق جو فنّي موسيقي مبني على جمالية البساطة وقدرة الوصول الى الناس، ان نلمس أحاسيسهم، والاّ صارت بيننا مسافة اصطناعية.

* في اسطواناتك كما في عروضك تشكيلة من الغناء التقليدي والحديث. من هم الشعراء الذين ينسجمون مع تجربتك؟

- انه الشعر المقفى اولا الذي ارتاح اليه، ثم هنالك القصيدة الحميمة فأنا لست من مروجي الاعمال الاستهلاكية ولست مرتبطا بالسوق التي تلزمني بأذواق معينة. اما المواضيع التي يتمحور حولها النغم فهي الغربة، الوداع، الفراق، الحنين، من دون ان اكون فنانا كئيبا. اعود الى ادونيس حين قال ان الحزن صديق الانسان. هذه الصداقة هي التي تجعلنا نشعر بقيمة الفرح. وهذا الحزن هو بالتأكيد الغاء لحالة المبالاة.

الحزن الصديق

* الى اين تصل في الحزن؟

- الى نفسي. اكتشف اني انسان مرتبط بنفسي لا ساكنا فوقها. انها كآبة وجودية ترمز الى ما يمر به الانسان من تجارب. اني خارج حلقة المآسي والضحية والجلاد. من موقع فعلي اعبّر عن تجربتي علها تلمس اشخاصا مروا بهذه التجارب. اعدت تذكير الفرد في وحدته.

* هل انت فنان لنخبة من المستمعين ام لجمهور عريض؟

- انا اولا فنان لنفسي. قدومي من جهات مختلفة، تكويني من روافد متعددة، يرفض ان اكون حكرا لفئة معينة. حتى في الاعمال الموسيقية هناك النخبوية والفكرية والبحثية، وتلك التي تسقط الحواجز ليلتقي الجميع. الموسيقى يجب ان تبقيني جزءا من الحياة لا ان تبعدني عنها.

* هل هي المرة الاولى التي تلحن فيها شعرا لأبي شقرا؟

- انا قارئ لشوقي. قصيدته "يغني الارغن وحده" من ديوان "ثياب سهرة الواحة والعشبة" ومن كلماتها المعبرة، في الصور المتتابعة والسلام الكامن فيها، استدللت الى اللحن من غير ان الغي بنغمي ذرة من مناخها السوريالي. اردتها الباب الى برنامجي "مسك وعنبر". موضوع المنفى والمعركة مع الحياة وان تتفق الوردة والاشواك والانسان.

* لدى شوقي ابي شقرا ببساطة الكلمة وبراءتها مثل سد منيع، كيف خرقت سياجات العليق على جنباتها؟

- صورها الغريبة، رؤاها الواسعة بأبيات  صغيرة لمستني فكانت مفتاح العمل الذي شمل "مسك وعنبر". ويقيني ان حداثة الشعر وحداثة الموسيقى تترافقان.

* اي نوع من النغم شئت لها؟

- البياتي التطريبي حيث ينعتق مفهوم المنفى من الصورة المكانية.

انه منفى ايجابي يغدو في اتحاده باللحن حالة وصفية جمالية.

مي منسى